صديق الحسيني القنوجي البخاري
35
فتح البيان في مقاصد القرآن
جِهاداً كَبِيراً أي شديدا عظيما موقعه عند اللّه لما يحتمل فيه من المشاق لأن مجاهدة السفهاء بالحجج أكبر من مجاهدة الأعداء بالسيوف وأريد بهذا تهييجه وتهييج المؤمنين وتحريكهم ، ثم ذكر سبحانه دليلا رابعا على التوحيد فقال . وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ أي أرسلهما متجاورين أو خلاهما متلاصقين بحيث لا يتمازجان ، من مرج أي خلى وخلط وأرسل يقال مرجت الدابة وأمرجتها إذا أرسلتها في المرعى وخليتها تذهب حيث تشاء قال مجاهد : أرسلهما وأفاض أحدهما إلى الآخر ، وقال ابن عرفة : خلطهما فهما يلتقيان ، يقال مرجته إذا خلطته ، ومرج الدين والأمر اختلط واضطرب ، ومنه قوله تعالى : فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ [ ق : 5 ] وقال الأزهري : مرج البحرين خلى بينهما لا يلتبس أحدهما بالآخر ، يقال : مرجت الدابة إذا خليتها ترعى ، وقال ثعلب : المرج الإجراء فالمعنى أجراهما ، وقال الأخفش : وتقول قوم أمرج مثل مرج فعل وأفعل بمعنى . هذا عَذْبٌ فُراتٌ هو البليغ العذوبة ، المائلة إلى الحلاوة . والجملة مستأنفة كأنه قيل : كيف مرجهما ؟ فقيل : هذا عذب الخ ، أو حال بتقدير مقولا فيهما . قيل سمي الماء الحلو فراتا ، لأنه يفرت العطش ، أي يقطعه ، ويشقه ويكسره ولا يجمع إلا نادرا على فرتان كغربان وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ أي بليغ الملوحة ، وقيل البليغ في الحرارة وقيل البليغ في المرارة . وقرىء ملح بفتح الميم وكسر اللام . قال ابن عباس : خلع أحدهما على الآخر ، فليس يفسد العذب المالح ، وليس يفسد المالح العذب ، وهذا من أحسن المقابلة ، حيث قال : عذب فرات ، وملح أجاج . وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً هو الحاجز والحائل ، الذي جعله اللّه بينهما من قدرته ، يفصل بينهما ويمنعهما التمازج ولا يحس وَحِجْراً مَحْجُوراً أي سترا مستورا ، يمنع أحدهما من الاختلاط بالآخر فلا يبغي أحدهما على الآخر ، ولا يفسد الملح العذب ، فالبرزخ الحاجز والحجر المانع . وقيل معناه ما تقدم من أنها كلمة يقولها المتعوذ ، كأن كل واحد من البحرين يتعوذ من صاحبه ويقول له هذا القول ، وهو استعارة تمثيلية . وقيل حدا محدودا ، وقيل المراد من البحر العذب ، والأنهار العظام كالنيل والفرات وجيحون ، ومن البحر الأجاج ، البحار المشهورة ، والبرزخ بينهما الحائل من الأرض . وقيل معناه حراما محرما أن يعذب هذا المالح بالعذب أو يملح هذا العذب المالح . ومثل هذه الآية قوله سبحانه في سورة الرحمن مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ [ الرحمن : 19 ، 20 ] وعن ابن عباس قال : حجر أحدهما عن الآخر بأمره وقضائه ، ثم ذكر سبحانه حالة من أحوال خلق الإنسان من الماء فقال :